السيد كمال الحيدري

101

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

تغيير عليها ، فالنباتات تستفيد من الماء والتراب مباشرة ، كذلك الحيوانات فإنّها تأخذ غذاءها من الطبيعة مباشرة نعم هناك ضرب من الحيوانات المتطوّرة لها بعض الخصوصيات ، إلّا أنّ غالب الموجودات الحية غير الإنسان تستوفى حاجاتها من الطبيعة مباشرة ومن دون إجراء أىّ تغيير عليها ، وهذا بخلاف الإنسان فإنّه لأجل أن يحصل على لقمة الخبز تجده يجرى العديد من العمليات على الحنطة لكي تكون خبزاً ، وهكذا الحال في اللبس والشرب وغيرهما من الاحتياجات ، وكلما ازداد الإنسان تطوّراً في العلم ازدادت حاجاته إلى الطبيعة ، وهذا المعنى يمكن استيحاؤه من خلال الرجوع إلى القرون السابقة حيث نجد الناس قديماً لا تتجاوز حاجاتهم بعض الأشياء وهى كافية لتلبية متطلباتهم المعيشية ، أمّا في العصور المتطوّرة كما هو في العصر الحاضر فلكى يؤمّن الإنسان متطلّبات معيشته اليومية ، قد يحتاج إلى المئات من الأشياء ، وهو عاجز عن تأمينها بمفرده . ومن خلال هاتين النقطتين وهما إجراء الإنسان لتعديلات في الطبيعة لغرض الاستفادة منها ، وأنّ حاجات الإنسان واسعة نشأت لديه فكرة الاستخدام للآخرين لتلبية وتأمين احتياجاته ومتطلّباته . وتزداد فكره الاستخدام هذه كلّما ازداد تطوّر الإنسان ؛ فإنّ سيطرة الإنسان على الطبيعة مع وجود هذا التطوّر الهائل يزيد في المشكلة الاجتماعية تعقيداً ؛ لأنّها تؤدّى إلى فتح مجالات أخرى للاستخدام ، إذ إنّ كلّ إنسان يريد من الآخرين أن يعينوه في معاشه ومسكنه وملبسه وسائر احتياجاته الأخرى ، وهكذا الأمر بالنسبة للآخرين ، ومن هنا يضطرّ كلّ منهم إلى التنازل عن بعض منافعه لكي يحصل على منافع أخرى ، لذا قال تعالى : ( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ) « 1 »

--> ( 1 ) الزخرف : 32 .